الجصاص

93

أحكام القرآن

وصفنا ، وقد أقر هذا القائل أن بعض التكليف قد زال منهم بالآية الثانية ، وهذا هو معنى النسخ ، والله أعلم بالصواب . باب الأسارى قال الله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا أبو نوح قال : أخبرنا عكرمة بن عمار قال : حدثنا سماك الحنفي قال : حدثني ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : " لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفداء فأنزل الله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) إلى قوله : ( لمسكم فيما أخذتم ) من الفداء ، ثم أحل الله الغنائم " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم ، كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل من السماء نار فتأكلها " ، فأنزل الله تعالى : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) . وروي فيه وجه آخر ، وهو ما رواه الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر ، فأشار أبو بكر بالاستبقاء وأشار عمر بالقتل وأشار عبد الله بن رواحة بالإحراق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حين قال : ( فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) [ إبراهيم : 36 ] ومثل عيسى إذ قال : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك ) [ المائدة : 118 ] الآية ، ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال : ( لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) [ نوح : 26 ] ومثل موسى إذ قال : ( ربنا اطمس على أموالهم ) [ يونس : 88 ] الآية ، أنتم عالة فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضربة عنق ) فقال ابن مسعود : إلا سهيل بن بيضاء فإنه ذكر الاسلام ! فسكت ثم قال : " إلا سهيل بن بيضاء " فأنزل الله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) إلى آخر الآيتين . وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر وعليا في أسارى بدر ، فأشار أبو بكر بالفداء ، وأشار عمر بالقتل ، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ، فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان ، فقلت : يا رسول الله أخبرني من أي شئ تبكي أنت وصاحبك ؟ فقال : " أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة " شجرة قريبة